محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
12
الإنجاد في أبواب الجهاد
جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خَرْدل » ( 1 ) . فالقول أولاً : في معنى جهاد القلب ، وذلك راجعٌ إلى مغالبة الهوى ، ومدافعة الشيطان ، وكراهية ما خالف حدود الشرع ، والعقدِ على إنكار ذلك ، حيث لا يستطيع القيام في تغييره بقول ولا فعل ، وهذا الضرب واجب على كل مسلم إجماعاً ، وهو مما يتناوله قوله - تعالى - : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [ الحج : 78 ] ، وقوله - سبحانه - : { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ } [ العنكبوت : 6 ] ، وقال - سبحانه - : { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } [ النازعات : 40 ] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : « ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خردل » ( 2 ) . الثاني : جهادٌ باللسان ، وذلك كالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ( 3 ) ، وزجرِ
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في « صحيحه » في كتاب الإيمان ( باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ، وأن الإيمان يزيد وينقص ، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ) ( 50 ) ( 80 ) ، وأحمد في « المسند » ( 1 / 458 و 461 ) ، وأبو عوانة ( 1 / 35 ، 36 ) ، وابن منده في « الإيمان » ( 183 و 184 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 9784 ) ، والبيهقي في « الكبرى » ( 10 / 90 ) ، من حديث أبي رافع ، عن ابن مسعود ، به . قال السندي : قوله : « ما من نبيٍّ . . . » إلخ : لا بُدَّ من تخصيص الكلام بمن آمن من أمته قوم ، وإلاّ فقد جاء أنَّ بعضهم ما آمن به أحد ، أو آمن به واحد . وكلمة : خُلوف ، كعُدُول : جمع خَلْف - بالسكون - كَعَدْل . والخَلْفُ : كل مايجيء بعد من مَضَى ، إلا أنه بالتحريك في الخير ، وبالتسكين في الشر ، وجمع المتحرك أخلاف ، والمعنى : يجيء بعد أولئك السَّلف الصالح أناسٌ لا خير فيهم ، والله أعلم . ( 2 ) سبق تخريجه قريباً . ( 3 ) ذكر المصنف في كتابه : « تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام » ( 320 - 323 ) ، أن مراتب تغيير المنكر على خمسة أقسام : 1 ) التعريف والبيّنة . . . . . . . 2 ) الوعظ والتخويف . . . . . . . 3 ) الزجر والتقريع باللسان . 4 ) التغيير بمباشرة اليد . . . . 5 ) التغيير بالضرب وإيقاع التنكيل والعقوبة بالفاعل ، وذلك في حقِّ من تلبَّس ولم يقدر على دفعه عنه إلا بذلك . وفصّل في هذه الأقسام الخمسة .